فصل: ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن موسى بن بغا دخل سامراء يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم والمهتدي يومئذ قد جلس للمظالم فأقاموه عن مكانه وحملوه على دابة من دواب الشاكرية وانتهبوا ما كان في ما تريد ويحك اتق الله عز وجل فانك تركب أمرًا عظيمًا ‏.‏

فقال موسى‏:‏ ما نريد إلا خيرًا ‏.‏

فأخذوا عليه العهود والمواثيق أنه لا يمالي صالحًا عليهم ولا يضمر لهم إلا مثل ما يظهر ففعل ذلك فجددوا له البيعة ليلة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم ‏.‏

وأصبحوا يوم الثلاثاء فوجهوا إلى صالح أن يحضرهم فوعدهم أن يحضر ثم استتر فأظهر النداء عليه ثم قتل لثمان بقين من صفر ‏.‏

وولى سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد والسواد ووجه إليه بخلع كثيرة وكان الأتراك قد تحدثوا بخلع المهتدي فبلغه فخرج إليهم متقلدًا سيفًا وقال‏:‏ قد بلغني ما أنتم عليه من أمر والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متخبط وقد أوصيت لأخوتي بولدي وهذا سيفي والله لأضربن به ما استمسك قائمة في يدي ما هذا الإقدام على الخلفاء والجرأة على الله عز وجل سواء عنكم من أراد صلاحكم ومن إذا سمع عنكم بشيء دعا بأرطال من الشراب فشربها ثم تقولون إني أعلم علم صالح وما أعلمه ‏.‏

قالوا‏:‏ فاحلف لنا على ذلك ‏.‏

قال‏:‏ نعم ‏.‏

فورد مال فارس والأهواز ومبلغه تسعة عشر ألف ألف درهم وخمس مائة ألف درهم فانتشر في العامة أن القوم قد عرفوا أن يخلعوا المهتدي ويقتلونه فبعث المهتدي إلى العسكر

وفي هذه السنة‏:‏ وافى جعلان لحرب صاحب الزنج فزحف بعسكره فبقي بينه وبين صاحب الزنج فرسخ فخندق على نفسه فأقام ستة أشهر ولم يجد إلى لقائه سبيلًا لضيق الموضع بما فيه من النخل والدغل عن محال الخيل فكانوا إذا التقوا لم يكن بينهم إلا الرمي بالنشاب والحجارة فجاء الزنج فبيتوا عسكر جعلان فقتلوا جماعة فترك جعلان عسكره وانضم إلى البصرة فظهر إلى السلطان عجزه فصرف وأمر سعيد الحاجب بالشخوص لحرب الزنج ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ تحول صاحب الزنج من السبخة التي كان نزلها إلى الجانب الغربي من النهر المعروف بأبي الخصيب وأخذ أربعة وعشرين مركبًا من مراكب البحر كانت قد اجتمعت تريد البصرة وكان يقول لأصحابه‏:‏ لما بلغني قرب المراكب مني نهضت للصلاة وأخذت في الدعاء والتضرع فخوطبت بأن قيل لي‏:‏ قد أظلك فتح عظيم ‏.‏

فالتفت فطلعت المراكب فحواها أصحابي وقتلوا مقاتليها وسبوا ما فيها من الرقيق وغنموا منها أموالًا عظيمة ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ خلع المهتدي بالله لأربع عشرة خلت من رجب وقتل وفي سبب خلعه أحدهما‏:‏ أنه كتب إلى بعض الأتراك أن يقتل بعضهم فأطلع المأمور ذلك الرجل على هذا وقال له‏:‏ إذا قتلتك اليوم قتلت أنا غدًا ‏.‏

قال‏:‏ فما نصنع قال‏:‏ ندير على المهتدي فقدم ذلك المأمور على المهتدي فقال له‏:‏ ألم آمرك بقتل من أمرتك بقتله فتعلل عليه فأمر بقتله فقتل ورمى رأسه إلى أصحابه ووقع القتال بين الناس وخرج المهتدي يقاتل ويقول‏:‏ يا معشر الناس انصروا خليفتكم ‏.‏

فآل الأمر إلى أن قتلوه ‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنه كان قد كتب رقعة بخطة‏:‏ أنه متى غدر بهم أو اغتالهم فهم في حل من بيعته ولما كتب إلى بعضهم أن يقتل بعضًا استحلوا نقص بيعته ودعوه إلى خلع نفسه فأبى فخلعوا أصابع رجليه من قدميه فورم ومات ‏.‏

ويقال‏:‏ عذبوه بفنون العذاب وأشهدوا على موته وبايعوا المعتمد ‏.‏

واسمه‏:‏ أحمد بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد ويكنى أبا العباس ‏.‏

ولد بسامراء سنة تسع وعشرين ومائتين في أولها وأمه أم ولد رومية يقال لها‏:‏ فتيان وكان أسمر رقيق اللون أعين خفيفًا لطيف اللحية جميلًا بويع يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب هذه السنة فولي الوزارة عبد الله بن يحيى بن خاقان ‏.‏

وللمتعمد أشعار حسان منها قوله‏:‏ طال والله عذابي واهتمامي واكتئابي بغزال من بني الأصفر لا يغنيه ما بي أنا مغرى بهواه وهو مغرى بعذابي فإذا ما قلت صلني كان لا منه جوابي وله‏:‏ عجل الحب بفرقه فبقلبي منه حرقه ما لك بالحب رقي وأنا أملك رقه إنما يستروح الصب إذا أظهر عشقه ذكر طرف من سيرته أخبرنا علي بن أحمد البسيري عن أبي عبد الله بن بطة حدثنا أبو عمر بن أحمد بن شهاب حدثنا إبراهيم بن عبد السلام قال‏:‏ حدثنا إسماعيل بن عبيد الله العسكري قال‏:‏ كنا عند المعتمد أمير المؤمنين بسامراء في رمضان فلما أمسينا دعا بتمر فأفطر على تمرة ثم ناول من حضر تمرة تمرة ثم قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثنا أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم يجد فتمرات فإن لم يجد تمرات حسا حسوات من ماء

ثم قال‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن وهب بن منبه قال‏:‏ وروى أبو بكر الصولي قال‏:‏ حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ كنا مرة بين يدي المعتمد فجعل يخفق نعاسًا وقال‏:‏ لا يبرحن أحد ‏.‏

ثم نام مقدار نصف ساعة وانتبه فقال‏:‏ أحضروني من الحبس رجلًا يعرف بمنصور الحمال فأحضر فقال‏:‏ منذ كم أنت محبوس فقال‏:‏ منذ ثلاث سنين ‏.‏

قال‏:‏ فأصدقني عن خبرك قال‏:‏ أنا رجل من أهل الموصل كان لي جمل أحمل عليه وأعود بكراه على عائلتي فضاق بالموصل المكسب فقلت‏:‏ أخرج إلى سامراء فإن العمل فيها كثير فخرجت فلما قربت منها إذا جماعة من الجند قد ظفروا بقوم يقطعون الطريق قد كتب صاحب البريد بعددهم وكانوا عشرة فأعطاهم واحد من العشرة مالًا على أن يطلقوه فأطلقوه وأخذوني مكانه وأخذوا جملي فسألتهم بالله فقال المعتمد‏:‏ أحضروني خمسمائة دينار فجاءوا بها ‏.‏

فقال‏:‏ ادفعوها إليه قال‏:‏ فأخذها وأجرى عليه ثلاثين دينارًا في كل شهر وقال‏:‏ اجعلوا أمر جمالنا إليه ثم أقبل علينا وقال‏:‏ رأيت الساعة النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي‏:‏ يا أحمد وجه الساعة إلى الحبس فأخرج منصور الجمال وأحسن إليه فإنه مظلوم ففعلت ما رأيتم ثم نام من وقته فانصرفنا ‏.‏

أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال حدثني أبو محمد الصلحي قال‏:‏ حدثنا أبو علي الكاتب الأترحي قال‏:‏ حدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمدان قال‏:‏ انصرف جلساء المعتمد على الله ليلة عنه وانصرفت إلى حجرة مرسومة لي في الدار اختص بها فلما انتصف الليل وأنا نائم إذا أنا بالخدم يدقون باب حجرتي ويوقظونني بشدة فانزعجت أجب أمير المؤمنين ‏.‏

فأجبت وأنا مذعور وقلت‏:‏ إنا لله بلاء تجدد فلما صرت بحضرته قائمًا لم يستجلسني وقال‏:‏ يا غلام صاحب الشرطة الساعة قمت فزعًا فحضر فقال له‏:‏ في حبسك رجل يقال له فلان بن فلان الجمال‏.‏

فقال له‏:‏ نعم ‏.‏

قال‏:‏ أحضره فحضر ‏.‏

فقال له المعتمد‏:‏ بأي شيء تعرف قال‏:‏ أنا فلان بن فلان الجمال ‏.‏

قال‏:‏ منذ كم حبست قال‏:‏ منذ كذا وكذا ‏.‏

قال‏:‏ في أي شيء قال‏:‏ مظلوم ‏.‏

قال‏:‏ فاشرح لي قصتك ‏.‏

قال‏:‏ أنا رجل من أهل الجبل وكان يتقلدنا فلان بن فلان إلى الأمير فأستدعى إلى الحضرة يسخر جمالي فتظلمت إليه فلم ينفع فخرجت أمشي وراء الجمال إلى أن قربنا من حلوان فسل الأكراد منها جملًا محملًا فضربني مقارع كثيرة وقيدني فقلت‏:‏ ما ذنبي قال‏:‏ أنت سرقت جملك وأخذت ما كان عليه ‏.‏

فقلت‏:‏ غلمانك يعلمون أن الأكراد سلوه فقال‏:‏ الأكراد ما جاءوا إلا بمواطأتك ثم أمر بي فحملت على بعض الجمال مقيدًا فلما وردت هذا البلد طرحني في الحبس وملك الجمال فقال‏:‏ يا فلان فحضر بعض الخدم فقال‏:‏ امض الساعة إلى الأمير فلان واقعد على دماغه ولا تبرح أو يرد جمال هذا عليه أو قيمتها على ما يقوله الجمال وادفع ذلك إليه وقال للخادم‏:‏ ادفع إلى هذا الجمال كذا وكذا دينارًا أو كسوة وأدخله الحمام وأطعمه واسقه ثم قال لصاحب الشرطة‏:‏ لا تعرض له ‏.‏

ثم قال له‏:‏ في حبسك فلان بن فلان الحداد قال‏:‏ هاته فأحضره فقال‏:‏ ما قصتك قال‏:‏ أنا رجل حبست ظلمًا منذ كذا وكذا سنة ‏.‏

قال‏:‏ وما كان سبب حبسك فقص قصة طويلة ‏.‏

فقال لصاحب الشرطة‏:‏ خل عنه وقال للخادم‏:‏ خذه فغير من حاله وأطعمه واسقه وأدخله الحمام واكسه وادفع إليه كذا وكذا دينارًا ‏.‏

وقال للشرطي‏:‏ انصرف ثم رفع رأسه وقال‏:‏ الحمد لله الذي وفقني لهذا الفعل يا ابن حمدان ‏.‏

فقلت‏:‏ كيف تكلف أمير المؤمنين النظر في هذا الأمر بنفسه في مثل هذا الوقت وانزعج من نومه فقال‏:‏ ويحك جاءني رجل الساعة في النوم صفته كيت وكيت فقال‏:‏ في حبسك رجلان مظلومان يقال لأحدهما فلان بن فلان الجمال والآخر فلان بن فلان الحداد فأطلقهما وأنصفهما من خصومهما وأحسن إليهما ‏.‏

فانتبهت مذعورًا ولعنت إبليس وصليت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحولت إلى الجانب الآخر وقمت فرأيت الشخص بعينه فقال لي‏:‏ ويلك آمرك أن تطلق رجلين محبوسين مظلومين من حبسك طال حبسهما وأن تنصفهما من خصومهما ولا تفعل وترجع إلى نومك لقد هممت أن أفعل بك ‏.‏

قال‏:‏ وكاد يمد يده إلي ‏.‏

فقلت‏:‏ يا هذا ارفق بي وقل لي من أنت ‏.‏

قال‏:‏ أنا محمد رسول الله قال‏:‏ فكأني قد قبلت يده وقلت‏:‏ يا رسول الله ما عرفتك ‏.‏

ولو كنت عرفتك ما تجاسرت على مخالفتك ‏.‏

قال‏:‏ فقم فعجل في أمرهما الساعة كما أمرتك ‏.‏

فانتبهت فاستدعيتك لتشاهد ما يجري وطلبت صاحب الشرطة فجرى ما رأيت ‏.‏

فدعوت له وعظمت في نفسه ما جرى وقلت‏:‏ هذه عناية من رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أمي المؤمنين ومنة من الله عليه فليشكر الله ‏.‏

فقال‏:‏ امض فقد أزعجتك فمضيت إلى حجرتي ‏.‏

ولخمس بقين من رجب‏:‏ دخل الزنج إلى الأبلة فقتلوا فيها خلقًا كثيرًا منهم‏:‏ عبد الله بن حميد الطوسي وأحرقوها ‏.‏

وفي هذا الشهر‏:‏ قدم سعيد بن صالح المعروف بالحاجب من قبل السلطان لحرب الزنج واستسلم أهل عبادان لصاحب الزنج فسلموا إليه حصنهم وذلك أنهم رأوا ما فعل بأهل الأبلة فضعفت قلوبهم وخافوا على أنفسهم فأعطوا بأيديهم فدخلها أصحابه فأخذوا من كان فيها من العبيد والسلاح ودخلوا الأهواز فهرب أهلها فدخلوا فأحرقوا وقتلوا ونهبوا وأخربوا وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من رمضان فانزعج أهل البصرة لذلك ورعبوا رعبًا شديدًا وانتقل أكثر أهلها عنها ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ ظهر بالكوفة علي بن زيد الطالبي فبعث إليه الشاه بن ميكال في عسكر كثيف فهزمهم ووثب محمد بن واصل بن إبراهيم التيمي من أهل فارس ورجل من أكرادها يقال له أحمد بن الليث بعامل فارس فقتلاه ‏.‏

وفيها‏:‏ شخص موسى بن بغا لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال من سامراء إلى الري وشيعه المعتمد ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة أحمد بن عيسى بن المنصور ‏.‏

إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق التميمي ‏.‏

خراساني جوزجاني قدم مصر فكتب عنه ‏.‏

وتوفي بدمشق في هذه السنة ‏.‏

أيوب بن نصر بن موسى أبو أحمد العصفري بغدادي قدم مصر وحدث بها وتوفي في شعبان هذه السنة ‏.‏

إدريس بن عيسى أبو محمد القطان المخرمي حدث عن زيد بن الحباب وأبي داود الجعفري ‏.‏

روى عنه ابن صاعد والباغندي ولم يكن به بأس وتوفي في هذه السنة الحسن بن علي أبو علي المسوحي حكى عن بشر الحافي روى عنه الجنيد ‏.‏

ولم يكن له منزل يأوي إليه إنما كان يأوي إلى مسجد ‏.‏

أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرنا ابن رزق إجازة قال‏:‏ أخبرنا جعفر الخلدي قال‏:‏ حدثني الجنيد وابن مسروق وأبو أحمد المغازلي وأبو محمد الحريري قالوا‏:‏ سمعنا حسنًا المسوحي يقول‏:‏ كنت آوي إلى باب الكنائس كثيرًا وكنت أقرب من مسجد ثم أتفيأ فيه من الحر وأستكن من البرد فدخلت يومًا وقد كظني الحر واشتد علي فحملتني عيني فنمت فرأيت كأن سقف المسجد قد انشق وكأن جارية قد نزلت علي من السقف عليها قميص فضة يتخشخش ولها ذؤابتان فجلست عند رجلي فقبضت رجلي عنها فمدت يدها فنالت رجلي ‏.‏

فقلت لها‏:‏ يا جارية لمن أنت قالت‏:‏ لمن دام على ما أنت عليه ‏.‏

رزق الله بن موسى أبو الفضل الإسكافي حدث عن يحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة وشبابة ‏.‏

وروى عنه‏:‏ الباغندي وابن وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ‏.‏

الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام أبو عبد الله الأسدي المديني العلامة ‏.‏

سمع سفيان بن عيينة والنضر بن شميل وأبا الحسن المدائني وخلقًا كثيرًا ‏.‏

روى عنه ثعلب وابن أبي الدنيا والبغوي وابن صاعد وغيرهم ‏.‏

وكان ثقة ثبتًا عالمًا بالنسب عارفًا بأخبار المتقدمين وله ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏‏.‏

ولي القضاء بمكة وورد بغداد فلما أراد أن يحدث بها قال‏:‏ أعرضوا علي مستمليكم ‏.‏

فعرضوا عليه فأتاهم فلما حضر أبو حامد المستملي قال له‏:‏ من أنت قال‏:‏ من ذكرت يا ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه واستملى عليه ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرنا احمد بن عبد الواحد الوكيل أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال‏:‏ حدثنا محمد بن موسى المارستاني حدثنا الزبير بن بكار قال‏:‏ قالت ابنة أختي لأهلها‏:‏ خالي خير رجل لأهله لا يتخذ ضرة ولا يشتري جارية ‏.‏

قال‏:‏ تقول المرأة‏:‏ والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال‏:‏ اخبرنا أحمد بن علي الخطيب أخبرنا أحمد بن الفرج النهرواني قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن محمد بن عبيد الدقاق قال‏:‏ سمعت أبا العباس محمد بن إسحاق الصيرفي يقول‏:‏ سألت الزبير بن بكار - وقد جرى حديث النساء - منذ كم زوجك معك قال‏:‏ لا تسألني ليس يرد القيامة أكثر كباشًا منها ضحيت عنها بسبعين كبشًا ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرني أحمد بن علي أخبرني محمد بن عبد الواحد وعلي بن أبي علي قالا‏:‏ أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال‏:‏ توفي أبو عبد الله الزبير بن بكار قاضي مكة ليلة الأحد لتسع ليال بقين من ذي القعدة سنة ست وخمسين ومائتين وقد بلغ أربعًا وثمانين سنة ودفن بمكة وحضرت جنازته وصلى عليه ابنه مصعب وكان سبب وفاته‏:‏ أنه وقع من فوق سطحه فمكث يومين لا يتكلم وتوفي بعد فراغنا من قراءة ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏ عليه بثلاثة أيام ‏.‏

عبد الله بن محمد بن المهاجر أبو محمد ‏.‏

ويعرف بفوزان كان من أخص أصحاب أحمد بن حنبل به وكان يتقدمه ويكرمه ويأنس إليه ويستقرض منه ومات أحمد وله عنده خمسون دينارًا وأوصى أن تعطى من غلته فلم يأخذها فوزان وأحله منها وبعث إليه يومًا فقال‏:‏ قد وهب الله لنا ولدًا فإيش ترى أن أسميه وحدث فوزان عن وكيع وشعيب بن حرب وأبي معاوية وغيرهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ جماعة منهم‏:‏ البغوي وابن صاعد‏:‏ وقال الدار قطني‏:‏ فوزان نبيل جليل ‏.‏

توفي في رجب هذه السنة ‏.‏

عثمان بن صالح بن سعيد بن يحيى حدث عن يزيد بن هارون ووهب بن جرير ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن مخلد وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في هذه السنة ‏.‏

محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة وأبو عبد الله الجعفي البخاري ‏.‏

صاحب ‏"‏ الجامع الصحيح ‏"‏ و ‏"‏ التاريخ ‏"‏ ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ‏.‏

وإنما قيل له‏:‏ الجعفي لأن أبا جده أسلم - وكان مجوسيًا - على يدي يمان الجعفي وكان يمان والي بخارى فنسب إليه ‏.‏

ورحل محمد بن إسماعيل في طلب العلم وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر وسمع بكر بن إبراهيم وعبدان ومحمد بن عبد الله الأنصاري وأبا نعيم وعفان وأبا الوليد الطيالسي والقعنبي والحميدي وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وخلقًا يطول ذكرهم وورد إلى بغداد دفعات ‏.‏

وحدث بها فروى عنه من أهلها‏:‏ إبراهيم الحربي والباغندي وابن صاعد وغيرهم وآخر من حدث عنه بها‏:‏ الحسين بن إسماعيل المحاملي ‏.‏

ومهر البخاري في علم الحديث ورزق الحفظ له والمعرفة له ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ حدثني عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي قال‏:‏ حدثني محمد بن إبراهيم بن أحمد الأصبهاني قال‏:‏ أخبرني أحمد بن علي الفارسي حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال‏:‏ سمعت جدي محمد بن يوسف الفربري يقول‏:‏ حدثنا أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوراق النحوي قال‏:‏ قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري‏:‏ كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث قال‏:‏ ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب قلت‏:‏ وكم أتى عليك إذ ذاك فقال‏:‏ عشر سنين أو أقل ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس‏:‏ سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم فقلت أنا له‏:‏ يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني ‏.‏

فقلت له‏:‏ ارجع إلى الأصل إن كان عندك ‏.‏

فدخل ونظر فيه ثم خرج فقال لي‏:‏ هو الزبير بن عدي عن إبراهيم ‏.‏

فأخذ القلم مني وأحكم كتابه وقال‏:‏ صدقت ‏.‏

فقال له بعض أصحابه‏:‏ ابن كم كنت إذ رددت عليه قال‏:‏ ابن إحدى عشرة سنة فلما طعنت في ست عشرة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة فلما حججت رجع أخي وتخلفت بها في طلب الحديث فلما طعنت في ثمانية عشرة سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وصنفت كتاب ‏"‏ التاريخ ‏"‏ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب ‏.‏

وفي رواية ابن البخاري‏:‏ كتب تراجم جامعة بين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنبره وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين ‏.‏

وقال‏:‏ كتبت عن ألف شيخ ‏.‏

قال‏:‏ وأخرجت هذا الكتاب من زهاء ستمائة ألف حديث وما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين ‏.‏

قال الفربري‏:‏ سمع هذا الكتاب تسعون ألف رجل ما بقي أحد يرويه غيري ‏.‏

أخبرنا الخطيب أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني أبو عبد الله محمد بن علي الصوري أخبرنا محمد بن أحمد بن جميع الغساني قال‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد بن آدم قال‏:‏ حدثنا محمد بن يوسف قال‏:‏ كنت عند محمد بن إسماعيل البخاري في منزله ذات ليلة فأحصيت أنه قد قام وأسرج يستذكر أشياء يعقلها في ليلة ثماني عشرة مرة ‏.‏

وروي عنه بعض رفقائه أنه كان يختلف معهم إلى مشائخ البصرة وهو غلام ولا يكتب فسألوه بعد أيام‏:‏ لم لا تكتب فقرأ عليهم جميع ما سمعوه من حفظه وكان يزيد على خمسة عشر ألف حديث وكان بندار يقول‏:‏ ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل ‏.‏

ودخل مرة إلى مجلس بندار فما عرفه فقيل له‏:‏ هذا أبو عبد الله ‏.‏

فقام فأخذ بيده وعانقه وقال‏:‏ مرحبًا بمن أفتخر به منذ سنين ‏.‏

ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل‏.‏

وقال أبو بكر الأعين‏:‏ كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة ‏.‏

وقال أحمد بن حنبل‏:‏ ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري ‏.‏

وقال إسحاق بن راهويه وعنده البخاري‏:‏ يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه فإنه لو كان في زمن الحسن لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفهمه ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الحافظ الخطيب قال‏:‏ حدثني عبد الله بن أحمد الصيرفي قال‏:‏ سمعت الدارقطني يقول‏:‏ لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن الحسن الرازي قال‏:‏ سمعت أبا أحمد بن عدي الحافظ يقول‏:‏ سمعت عدة مشائخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم إلى بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث قلبوا أسانيدها ومتونها وجعلوا متن هذا لإسناد آخر وإسناد هذا لمتن آخر ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري فحضروا فانتدب رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال‏:‏ لا أعرفه ‏.‏

فسأله عن آخر فقال‏:‏ لا أعرفه ‏.‏

فما زال يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من العشرة والبخاري يقول‏:‏ لا أعرفه ‏.‏

فكان بعض الفهماء يقول‏:‏ الرجل فهم ‏.‏

وبعضهم يقضي عليه بالعجز ‏.‏

ثم انتدب رجل آخر فسأله عن حديث من الأحاديث وهو يقول في الحديث‏:‏ لا أعرفه ‏.‏

حتى فرغ من عشرته ثم الثالث ثم الرابع إلى تمام العشرة والبخاري لا يزيدهم أما حديثك الأول فهو كذا والحديث الثاني كذا والثالث كذا حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل ‏.‏

وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول‏:‏ الكبش النطاح ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا الخطيب أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني الحسن بن محمد البلخي حدثنا محمد بن أبي بكر الحافظ أخبرنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن عمر المقرئ حدثنا أبو سعيد بكر بن منير قال‏:‏ كان حمل إلى محمد بن إسماعيل بضاعة أنفذها إليه فلان فاجتمع التجار بالعشية فطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم فقال لهم‏:‏ انصرفوا الليلة ‏.‏

فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه تلك البضاعة بربح عشرة آلاف درهم فردهم وقال‏:‏ إني نويت البارحة أن أدفع إلى أولئك ولا أحب أن أنقض نيتي فدفعها إليهم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال أخبرنا الخطيب أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا الحسن بن محمد أخبرنا محمد بن أبي بكر البخاري الحافظ قال‏:‏ حدثنا أبو عمرو أحمد بن أبي محمد المقرئ قال‏:‏ سمعت بكر بن منير يقول‏:‏ سمعت محمد بن إسماعيل يقول‏:‏ أرجو أن ألقى الله سبحانه ولا يحاسبني أن اغتبت أحدًا كان البخاري قد قال‏:‏ أفعال العباد مخلوقة ‏.‏

فقلت له‏:‏ قد قلت لفظي بالقرآن مخلوق ‏.‏

فقال‏:‏ أنا لا أقول هذا وإنما أقول أفعال العباد مخلوقة فهجره محمد بن يحيى الذهلي ومنع الناس من الحضور عنده واتفق أن خال بن أحمد الذهلي والي بخارى سأله أن يحضر عنده ليسمع منه الكتاب الصحيح والتاريخ فقال‏:‏ أنا لا أذل العلم إن أراد سماع ذلك فليحضر عندي ‏.‏

فاحتال عليه حتى نفاه من البلد فمضى إلى خرتنك وهي قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها فتوفي هناك ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ سمعت الحسن بن الحسين التمار يقول‏:‏ رأيت محمد بن إسماعيل شيخًا نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير توفي ليلة السبت عند صلاة العشاء وكانت ليلة الفطر ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر لغرة شوال سنة ست وخمسين ومائتين وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا ‏.‏

محمد المهتدي بالله أمير المؤمنين قد ذكرنا سبب خلعه وقتله فيما تقدم وكان هلاكه يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقين من رجب هذه السنة وكانت خلافته أحد عشر شهرًا وخمسة عشر يومًا وقيل‏:‏ سبعة عشر يومًا وبلغ من العمر ثمانيًا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام ‏.‏

وقيل‏:‏ إحدى وأربعين سنة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني الحسن بن أبي بكر قال‏:‏ حدثنا عيسى بن المتوكل على الله حدثنا محمد بن خلف المرزبان حدثني أحمد بن سعيد الأموي قال‏:‏ كانت لي حلقة وأنا بمكة أجلس فيها في المسجد الحرام ويجتمع إلي فيها أهل الأدب وإنا يومًا لنتناظر في شيء من النحو والعروض وقد علت أصواتنا وذلك في خلافة المهتدي إذ وقف علينا مجنون فنظر إلينا ثم قال‏:‏ أما تستحون الله يا معدن الجهل شغلتم بذا والناس في أعظم الشغل إمامكم أضحى قتيلًا مجدلًا وقد أصبح الإسلام مفترق الشمل وأنتم على الأشعار والنحو عكف تصيحون بالأصوات فلستم بذي عقل ثم انصرف المجنون وتفرقنا وقد أفزعنا ما ذكره المجنون وحفظنا الأبيات فخبرت بذلك إسماعيل بن المتوكل فحدث به قبيحة أم المعتز بالله فقالت‏:‏ إن لهذا لنبأ فاكتبوا هذه الأبيات وأرخوا هذا اليوم واطووا هذا الخبر عن العامة ‏.‏

ففعلنا فلما كان يوم الخامس عشر ورد الخبر من مدينة السلام بقتل المهتدي ‏.‏

محمد بن إبراهيم بن جعفر الأنماطي ‏.‏

المعروف بمربع صاحب يحيى بن معين ‏.‏

كان أحد الحفاظ الفهماء وحدث عن أبي سلمة التبوذكي وأبي حذيفة النهدي وأبي الوليد الطيالسي وغيرهم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ سمعت أبا نعيم الحافظ يقول‏:‏ بلغني عن جعفر بن محمد بن كزال قال‏:‏ كان يحيى بن معين يلقب أصحابه فلقب محمد بن إبراهيم بمربع والحسين بن محمد بعبيد العجل وصالح بن محمد جزرة ومحمد بن صالح بكيلجة وهؤلاء من كبار الصحابة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أبي الفتح قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسن الدارقطني قال‏:‏ محمد بن إبراهيم الأنماطي المعروف بمربع كان حافظًا بغداديًا له تصنيف وتأريخ حدث عنه‏:‏ أبو محمد بن صاعد وغيره ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد السمسار أخبرنا عبد الله بن عثمان الصفار قال‏:‏ أخبرنا عبد الباقي بن قانع‏:‏ أن محمد بن إبراهيم مربعًا مات في سنة ست وخمسين ومائتين وقال ابن مخلد‏:‏ مات في ستة وثمانين وهذا غلط لا يصح ‏.‏

أبو عبد الله الشعباني من بني شعبان وبنو شعبان بن عمرو بن قيس بن حمير وأهل مصر إذا نسبوا إليه يقولون الأشعبوني وأهل الكوفة يقولون‏:‏ الشعبي وأهل الشام يقولون‏:‏ الشعباني وأهل اليمن يقولون‏:‏ ذي الشعين وكلهم يريد شعبان بن عمرو روى محمد الحديث وتوفي في هذه السنة ‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه في أولها‏:‏ ظفر صاحب الزنج بالأبلة وأحرقا وقتل من الناس في ثلاثة أيام ثلاثين ألفًا وأنه قدم رسول يعقوب بن الليث في ربيع الآخر بأصنام من كابل وأن المعتمد عقد لأخيه أبي أحمد على الكوفة والبصرة وبغداد والسواد وفارس والأهواز وطريق مكة والحرمين وبلاد اليمن لاثنتي عشرة خلت من صفر ثم عقد له لسبع خلون من رمضان على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز وفارس ‏.‏

وفيها أمر بغراج باستحداث سعيد الحاجب أن ينيخ بإزاء عسكر صاحب الزنج فمضى وأوقع بهم وهزمهم واستنقذ ما في أيديهم من النساء والنهب وأصابته جراحات ‏.‏

ثم عاد إلى حرب الخبيث فعبر إلى غربي دجلة فأوقع به وقعات في أيام متوالية ثم لم يزل يحاربه باقي رجب وعامة شعبان ‏.‏

ثم أوقع الخبيث بسعيد وأصحابه فقتلهم ‏.‏

وفيها ظهر ببغداد في بركة زلزل علي خناق قد قتل خلقًا كثيرًا من الرجال والنساء في دار كان ساكنها فحمل إلى المعتمد وأمر بضربه فضرب ألفي سوط وأربعمائة سوط فلم يمت حتى ضرب الجلادون أنثييه بخشب العقابين فمات وصلب ببغداد ثم أحرقت جثته ‏.‏

وفي يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من شوال‏:‏ غارت خيل الزنج على البصرة فعاثوا وأحرقوا ونهبوا وأخذ الناس السيف فلا تسمع إلا ضجيج الناس وتشهدهم وهم يقتلون فقتلوا عشرين ألفًا أحرقوا المسجد الجامع ‏.‏

وكان صاحب الزنج ينظر في حساب النجوم فعرف انخساف القمر فقال للناس‏:‏ اجتهدت في الدعاء على أهل البصرة وابتهلت إلى الله تعالى في تعجيل خرابها فخوطبت وقيل لي‏:‏ إنما أهل البصرة أكلها من جوانبها فإذا انكسر نصف الرغيف خربت البصرة فأولت انكسار الرغيف انكساف القمر فعقب هذا إغارة أصحابه على أهل البصرة ‏.‏

وكان الخبيث قد بعث من يأخذ أموال الأغنياء ويقتل من لا شيء له فهرب الناس على وجوههم فكان الخبيث يقول‏:‏ دعوت على أهل البصرة في غداة اليوم الذي دخلها فيه أصحابي واجتهدت في الدعاء وسجدت فرفعت إلي البصرة فرأيتها ورأيت أصحابي يقاتلون فيها فعلمت أن الملائكة تولت إخرابها تعين أصحابي وإن الملائكة لتنصرن أصحابي وتثبت من ضعف قلبه من أصحابي ‏.‏

ولقد عرضت النبوة فأبيتها لأن لها أعباء خفت أن لا أطيق حملها ‏.‏

فلما انتهى الخبر إلى السلطان بعث محمدًا المولد من سامراء لحرب صاحب الزنج يوم الجمعة لليلة خلت من ذي القعدة ‏.‏

وفيها وثب بسيل الصقيلبي على ميخائيل بن توفيل ملك الروم فقتله وكان ميخائيل قد تفرد بالمملكة أربعًا وعشرين سنة وتملك الصقلبي بعده على الروم ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن إسحاق بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ‏.‏

أحمد بن إبراهيم بن أيوب أبو علي المسوحي وهو غير الذي ذكرناه في السنة المتقدمة صحب سريًا السقطي وسمع ذا النون وحدث عن محمد بن يحيى بن عبد الكريم وروى عنه الخالدي‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن القزاز أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال‏:‏ أحمد بن إبراهيم المسوحي من جلة مشايخ بغداد وظرافهم ومتوكليهم ‏.‏

سمعت الحسين بن يحيى يقول‏:‏ سمعت جعفرًا - يعني الخواص - يقول‏:‏ كان أحمد بن إبراهيم المسوحي يحج بقميص ورداء ونعل طاق ولا يحمل معه شيئًا لا ركوة ولا كوز إلا كوز يكون فيه تفاح شامي يشمه من جوف بغداد إلى مكة وكان من أفاضل الناس ‏.‏

إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن يعيش أبو إسحاق سمع يزيد بن هارون وأنفق على بابه نحو عشرة آلاف درهم وسمع عن الوليد بن عطاء والواقدي وخلقًا كثيرًا وكان ثقة فهمًا صنف ‏"‏ المسند ‏"‏ وكان قد انتقل إلى همذان فسكنها وتوفي في هذه السنة ‏.‏

إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد البصري حدث عن أبيه ومعتمر ومحمد بن فضيل وأبي معاوية روى عنه أبو بكر بن أبي داود وابن صاعد وكان ثقة مأمونًا وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر علي بن ثابت أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي حدثنا محمد بن العباس الخزاز أخبرنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال‏:‏ قال إبراهيم الحربي‏:‏ كان بالبصرة يغسل محمد بن سيرين ثم كان بعده أيوب ثم كان بعد أيوب حماد بن زيد ثم كان بعد حماد سليمان بن حرب ثم افترق بعد ذلك فصار إلى الشهيدي وحسن بن المثنى فمات الشهيدي ها هنا وبقي حسن بالبصرة فهو يغسل على ذلك ‏.‏

أبوعلي الجذامي ويعرف بالجروي من أهل مصر قدم بغداد وحدث بها فروى عنه ابن أبي الدنيا والحربي وابن صاعد ومحمد بن عبدوس بن كامل وجماعة آخرهم المحاملي وكان من أهل الفضل والدين والورع والثقة والعبادة قال الدارقطني لم ير مثله فضلًا وزهدًا ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب أخبرنا أحمد بن أبي جعفر حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم الحداد حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن بن عبد العزيز الجروي قال‏:‏ سمعت جدي يقول‏:‏ من لم يردعه القرآن والموت ثم تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع‏.‏

توفي الجروي في رجب هذه السنة ‏.‏

الحسن بن عرفة بن يزيد أبو علي العبدي ولد في سنة ثمان وخمسين ومائة وفيها ولد يحيى بن معين وقيل‏:‏ بل ولد سنة خمسين ومائة ‏.‏

وسمع إسماعيل بن عياش وعبد الله بن المبارك وعيسى بن يونس وهشيم بن بشير وإسماعيل بن علية ويزيد بن هارون وأبا بكر بن عياش وغيرهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ عبد الله بن أحمد أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أجاز لي محمد بن علي المصري وحدثني عنه نصر بن إبراهيم الفقيه قال‏:‏ حدثنا أحمد بن عبد الله المخزومي قال‏:‏ حدثنا ابن رشيق قال‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد بن حكيم قال‏:‏ سمعت الحسن بن عرفة قد سئل كم تعد من السنين قال‏:‏ مائة سنة وعشر سنين لم يبلغ أحد من أهل العلم هذا السن غيري ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ سمعت هبة الله بن الحسن الطبري يقول‏:‏ سمعت علي بن محمد بن يعقوب يقول‏:‏ سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول‏:‏ عاش الحسن بن عرفة مائة وعشر سنين وكان له عشرة أولاد سماهم بأسامي الصحابة‏:‏ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن وأبو عبيدة ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت أخبرنا أبو علي عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سمعت أبا أحمد يوسف بن أحمد الطوسي يقول‏:‏ سمعت محمد بن المسيب يقول‏:‏ سمعت الحسن بن عرفة يقول‏:‏ قد كتب عني خمسة قرون ‏.‏

توفي الحسن بن عرفة في هذه السنة ‏.‏

زيد بن أخرم أبو طالب الطائي البصري حدث عن عبد الرحمن بن مهدي وسلم بن قتيبة ووهب بن جرير وغيرهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ البغوي وابن صاعد والمحاملي وغيرهم وكان ثقة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا الأزهري حدثنا محمد بن العباس قال‏:‏ قال لنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الكندي‏:‏ زيد بن أخرم ذبحه الزنج ذبحًا بعد دخولهم البصرة سنة سبع وخمسين ومائتين ‏.‏

زهير بن عمر بن محمد بن قمير بن شعبة أبو أحمد مروزي الأصل سمع يعلى بن عبيد والقعنبي وعبد الرزاق وغيرهم روى عنه البغوي وابن صاعد وكان ثقة ورعًا زاهدًا ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني الأزهري حدثنا محمد بن الحسن الصيرفي حدثنا البغوي‏:‏ ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل من زهير سمعته يقول‏:‏ أشتهي لحمًا منذ أربعين سنة ولا آكله حتى أدخل الروم فأكله من مغانم الروم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني الحسن بن علي التميمي أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ حدثنا عبد الله بن محمد حدثني محمد بن زهير بن قمير قال‏:‏ كان أبي يجمعنا في وقت ختمة القرآن في شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث مرات تسعين ختمة في شهر رمضان سكن زهير ببغداد ثم انتقل إلى طرسوس فرابط بها إلى أن مات فدفن بها في أواخر هذه السنة وقيل في سنة ثمان وخمسين ومائتين وقال أبو الحسن بن المنادي‏:‏ إنه دفن في مقابر باب حرب قال الخطيب وهو وهم والصحيح الأول ‏.‏

أبو داؤد النحوي السنجي المروزي سمع النضر بن شميل والهيثم بن عدي وعبد الرزاق والأصمعي ورحل في العلم إلى العراق والحجاز ومصر واليمن وقدم بغداد فذاكر الحفاظ بها‏.‏

روى عنه‏:‏ مسلم بن الحجاج وأبو بكر بن أبي داود وكان ثقة ‏.‏

توفي في ذي الحجة من هذه السنة ‏.‏

العباس بن الفرج أبو الفضل الرياشي مولى محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس من أهل البصرة ‏.‏

ورياش‏:‏ رجل من جذام وكان أبو العباس عبدًا له فبقي عليه نسبه وكان الرياشي من الأدب بمحل ‏.‏

قال‏:‏ وكان من الثقات الحفاظ يحفظ كتب أبي زيد وكتب الأصمعي كلها وقد سمع منه وقرأ على أبي عثمان المازني ‏"‏ كتاب سيبويه ‏"‏ فكان المازني يقول‏:‏ قرأ علي الرياشي الكتاب وهو أعلم به مني ‏.‏

وتوفي في هذه السنة قتله الزنوج ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب أخبرنا ابن الأزهري حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا أبو القاسم الطيب بن علي التيمي أخبرنا محمد بن جعفر النوفلي عن الأصمعي قال‏:‏ خطبنا الرياشي بالبادية فحمد الله وأثنى عليه ووحده واستغفره وصلى على نبيه فبلغ في الإيجاز ثم قال‏:‏ أيها الناس إن الدنيا دار بلاء والآخرة دار قرار فخذوا لمقركم من ممركم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم في الدنيا أنتم ولغيرها خلقتم أقول قولي هذا وأستغفر الله والمصلى عليه‏:‏ رسول الله والمدعو له الخليفة والأمير جعفر بن سليمان

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أحمد بن علي أخبرنا أبو الحسين بن النقور أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن هارون الضبي قال‏:‏ وجدت في كتاب أبي‏:‏ أنشدني أبو عبد الله بن عمر الكاتب قال‏:‏ أنشدني المبرد عن الرياشي‏:‏ فلو أن لحمي إذ وهى لعبت به أسود كرام أو ضباع وأذؤب لهون من وجدي وسلى مصيبتي ولكنما أودى بلحمي أكلب وفي كتابه قال‏:‏ وأنشدني أبو عبد الله قال‏:‏ أنشدني أبي قال‏:‏ أنشدني الرياشي‏:‏ وتجزع نفس المرء من سب مرة وتسمع عشرًا بعدها ثم تسكت أخبرنا ابن ناصر أخبرنا المبارك بن عبد الجبار أخبرنا الشريف أبو بكر المنكدري أخبرنا أبو الحسن بن الصلت قال‏:‏ أنشدنا محمد بن القاسم الأنباري قال‏:‏ أنشدنا أحمد بن محمد الأسدي قال‏:‏ أنشدنا الرياشي‏:‏ إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب قد ينفع الأدب الأحداث في مهل وليس ينفع في ذي الشيبة الأدب أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا الحسن بن شهاب إجازة أخبرنا عبيد الله بن محمد بن بطة حدثنا أبو بكر بن الأنباري حدثنا أحمد بن محمد الأسدي لما كان من دخول الزنج البصرة ما كان وقتلوا بها من قتلوا وذلك في شوال سنة سبع وخمسين ومائتين بلغنا أنهم دخلوا على الرياشي المسجد بأسيافهم والرياشي قائم يصلي الضحى فضربوه بالأسياف وقالوا‏:‏ هات المال‏!‏ فجعل الرياشي يقول‏:‏ أي مال حتى مات فلما خرج الزنج عن البصرة دخلناها فمررنا ببني مازن وهناك كان ينزل الرياشي فدخلنا مسجده فإذا به ملقى مستقبل القبلة كأنما وجه إليها وإذا شملة تحركها الريح قد تمزقت وإذا جميع خلقه صحيح سوي لم ينشق له بطن ولم يتغير له حال إلا أن جلده قد لصق بأعظامه ويبس وذلك بعد مقتله بسنتين رحمه الله فضل الشاعرة ‏.‏

كانت من مولدات البصرة وأمها من مولدات اليمامة وبها ولدت ونشأت في دار رجل من بني عبد القيس فأدبها وخرجها وباعها فكانت فصيحة أديبة ولم يكن في زمانها امرأة أشعر منها فاشتراها محمد بن المفرج الرخجي فأهداها إلى المتوكل فلما أدخلت عليه قال لها‏:‏ أشاعرة أنت قالت‏:‏ كذا يزعم من باعني ومن اشتراني فقال‏:‏ أستقبل الملك إمام الهدى عام ثلاث وثلاثينا خلافة أفضت إلى جعفر وهو ابن سبع بعد عشرينا إنا لنرجو يا إمام الهدى أن تملك الأمر ثمانينا لا قدس الله أمرًا لم يقل عند دعائي آمينا فقال المتوكل لعلي بن الجهم‏:‏ قل بيتًا وطالب فضل الشاعرة بأن تجيزه فقال علي أجيزي يا فضل‏:‏ لاذ بها يشتكي إليها فلم يجد عندها ملاذا فأطرقت هنيهة ثم قالت‏:‏ ولم يزل ضارعًا إليها تهطل أجفانه رذاذا فعاتبوه فزاد عشقًا فمات وجدًا فكان ماذا فطرب المتوكل فقال‏:‏ أحسنت وحياتي يا فضل وأمر لها بألفي دينار ‏.‏

وألقى عليها يومًا أبو دلف العجلي‏:‏ قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم أشهى المطي إلي ما لم يركب فقالت‏:‏ إن المطية لا يلذ ركوبها ما لم تذلل بالزمام وتركب والحب ليس بنافع أصحابه ما لم يؤلف للنظام ويثقب وكتبت فضل إلى بنان‏:‏ يا نفس صبرًا إنها ميتة يجرعها الكاذب والصادق ظن بنان أنني خنته روحي إذًا من جسدي طالق محمد بن حسان بن فيروز أبو جعفر الأزرق مولى معن بن زائدة سمع سفيان بن عيينة وابن مهدي ووكيعًا وغيرهم وكان صدوقًا ‏.‏

وتوفي في ذي القعدة ‏.‏